ابن كثير

495

السيرة النبوية

كنا قوما تجارا ، وكانت الحرب قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا ، فلما كانت الهدنة - هدنة الحديبية - بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ( 1 ) نأمن إن وجدنا أمنا ، فخرجت تاجرا إلى الشام مع رهط من قريش ، فوالله ما علمت بمكة امرأة ولا رجلا إلا وقد حملني بضاعة ، وكان وجه متجرنا من الشام غزة من أرض فلسطين . فخرجنا حتى قدمناها وذلك حين ظهر قيصر صاحب الروم على من كان في بلاده من الفرس فأخرجهم منها ، ورد عليه صليبه الأعظم وقد كان استلبوه إياه ، فلما أن بلغه ذلك وقد كان منزله بحمص من الشام فخرج منها يمشى متشكرا إلى بيت المقدس ليصلي فيه تبسط له البسط ويطرح عليها الرياحين ، حتى انتهى إلى إيلياء فصلى بها . فأصبح ذات غداة وهو مهموم يقلب طرفه إلى السماء ، فقالت [ له ] ( 2 ) بطارقته : أيها الملك لقد أصبحت مهموما ؟ فقال : أجل . فقالوا : وما ذاك ؟ فقال : أريت في هذه الليلة أن ملك الختان ظاهر ، فقالوا : والله ما نعلم أمة من الأمم تختتن إلا اليهود وهم تحت يديك وفى سلطانك فإن كان قد وقع [ ذلك ] ( 3 ) في نفسك منهم فابعث في مملكتك كلها فلا يبقى يهودي إلا ضربت عنقه ، فتستريح من هذا الهم . فإنهم في ذلك من رأيهم يديرونه بينهم إذ أتاهم رسول صاحب بصرى برجل من العرب قد وقع إليهم ، فقال : أيها الملك إن هذا الرجل من العرب من أهل الشاء والإبل يحدثك عن حدث كان ببلاده فاسأله عنه . فلما انتهى إليه قال لترجمانه : سله ما هذا الخبر الذي كان في بلاده ؟ فسأله فقال : هو رجل من العرب من قريش خرج يزعم أنه نبي وقد اتبعه أقوام وخالفه آخرون ، وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن ، فخرجت من بلادي وهم على ذلك .

--> ( 1 ) غير ا : لا . ( 2 ) ليست في ا . ( 3 ) ا : هذا .